استقالة الحريري وانتفاضة الحراك المدني .

عندما اعلن الرئيس سعد الحريري في بيان اصدره في الخامس من تشرين الثاني العام 2019 اي بعد سبعة ايام من تقديمه استقالة حكومته في 28/10 على ضوء انتفاضة الحراك المدني التي اندلعت في 17 تشرين الاول من العام المذكور من انه غير راغب باعادة تكليفه تشكيل الحكومة الجديدة وانه يترك رئاسة الحكومة لمن سيختاره النواب في استشاراتهم النيابية الملزمة مع رئيس الجمهورية . خرج بصمت من السراي الحكومي الى منزله وسط بيروت وبعد اسابيع انتقل منه دون ضجيج ايضا وبعيدا عن الاعلام للاستقرار في ابو ظبي مترفعا عن كشف الخلفيات والمواقف التي واجهها والتي املت عليه اتخاذ قراره النهائي بالابتعاد في هذه الفترة الحرجة التي كان يمر بها لبنان يومذاك ليس عن رئاسة الحكومة فحسب بل عن قيادة تياره الشعبي وزعامته السياسية . ولكن عدم بوح الحريري بحقيقة قرار ابتعاده عن رئاسة الحكومة يومذاك دفعت كثيرين من سياسيين واعلاميين لقراءة المشهد السياسي في حينه وفق مصالح كل جهة على حدى . فبعضهم فرح بهذه الخطوة لرغبتهم في خلو الساحة السنية لهم سياسيا ووطنيا على مساحة بيروت وباقي المناطق اللبنانية ، والبعض الاخر اتهم السعودية ظلما بالوقوف خلف هذا القرار لاعتبارات تخص علاقتها المتوترة معه منذ العام 2017 . لكن الاخير كان بصمته وعدم بوحه بحقيقة ما جرى معه خلال السبعة ايام التي امضاها بين تقديمه استقالة حكومته في 28/10 وبين اصداره بيان عزوفه عن اعادة تكليفه برئاسة الحكومة في 5/11 يظلم نفسه ويظلم معه السعودية وحاكم مصرف لبنان انذاك رياض سلامة . فقرار خروجه من رئاسة الحكومة وابتعاده عن الحياة العامة السياسية والشعبية كان قرارا شخصيا وذاتيا لا علاقة للسعودية به . فماذا جرى معه حتى اضطر لاتخاذ هذا القرار الكبير؟ ولماذا بصمته ظلم نفسه وظلم معه السعودية ورياض سلامة معا ؟ على ضوء انتفاضة الحراك المدني التي اخذت البلد إلى مستويات متقدمة من المواجهات العنيفة في الشارع على مساحة لبنان بين المنظومة السياسية الحاكمة وبين المنظمات والجمعيات الشبابية . وأصبح هذا الشارع نتيجة تلك المواجهات رهينة مظاهرات المجموعات المدنية الشبابية الذين رفعوا شعار ” كلن يعني كلن” مقرونا برفعهم ايضا لصور جميع قادة التيار الوطني الحر و8 و 14 آذار دون استثناء مترافقة مع السباب والشتائم لهؤلاء القادة ولعائلاتهم . على ضوء هذه الاجواء المشحونة اتفق قادة المنظومة الحاكمة أن يقدم الحريري استقالة حكومته لامتصاص نقمة الشارع وإعادة تكليفه بتشكيل حكومة جديدة وفق ورقة اصلاح اقتصادية اجتماعية مالية تأخذ حكومته على أساسها ثقة مجلس النواب وتكون حكومة تكنوقراط بغالبية وزرائها . بعد أيام على تقديمه استقالة حكومته زاره باسيل مبلغا إليه شرطان للقبول بهما مقابل اعادة تكليفه بتشكيل حكومة الانقاذ الاقتصادي ، الاول ان يقبل بأمتناع حكومته عن دفع أستحقاق سندات دين اليورو بوند في آذار العام 2020 . والثاني ان يوافق على ابرام صفقة رئاسية جديدة معه يقبل بموجبها القبول بترشيحه ودعمه للرئاسة الاولى وانتخابه مع نواب تياره وحلفائه أسوة بما جرى خلال الصفقة الرئاسية التي ابرمها معه في باريس بداية العام 2016 والتي على أساسها أعلن الحريري بعد أشهر ترشيحه لعون وانتخابه في تشرين الاول من العام المذكور . جواب الحريري كان التالي : بالنسبة للشرط الاول قطعا لا أوافق عليه إذا كنت رئيسا للحكومة لا اليوم ولا غدا ولا في المستقبل لأن اتخاذ قرار من قبل حكومتي بامتناع لبنان عن دفع استحقاق سندات اليوروبوند سيضعه امام المؤسسات المالية والمصرفية الدولية في خانة الدولة المفلسة ، وهذا الامر سيرتب عليه اسقاط لليرة الوطنية أمام الدولار ويؤدي إلى ضرب الاستقرار النقدي في البلد ، وحتما انا لست مجنون لاوافق عليه ، لأنه يدمر ليرة اللبنانيين ومدخراتهم . أما الشرط الثاني فقد أرتكبت خطأ في اتفاقي الاول معك حول الصفقة الرئاسية والتي انتخبت على أساسها عمك وانا لست مستعدا الآن لتكرار نفس تلك الغلطة ، لأنني لا أوافق على ترشيحك للرئاسة ولا على دعمك وانتخابك لا انا ولا نواب تياري ، واذا اراد بعض من كانوا يعتبرون انفسهم حلفاء لي قبل سنوات ان يرشحوك للرئاسة وينتخبوك فهذا شأنهم ولا يلزمني الامر بشيء . وأضاف الحريري يقول لباسيل اذا كان موقفي الرافض للشرطين المذكورين سيحجب عني اعادة تكليفي لتشكيل الحكومة الجديدة فأنا اقول لك مبروك عليك وعلى عمك رئاسة الحكومة وتحملوا انتم مسؤولية خراب البلد لأنني ساعلن بنفسي رسميا خبر عزوفي عن اعادة تكليفي لرئاسة الحكومة الجديدة .
خرج باسيل من بيت الوسط وهو فرح بابعاده الحريري عن رئاسة الحكومة للاتيان بحكومة مطواعة تسمح له الاستئثار بقرار السلطة التنفيذية وفق أهوائه السياسية . أصدر الحريري بيان اعتذاره وغادر ليس السراي الحكومي ومنزله في وسط بيروت فحسب بل غادر لبنان بشكل مؤقت إلى أبو ظبي في منفى سياسي اختياري قرره بنفسه . وبخروجه الصامت المهذب من دون أن يبوح بكلمة ، يكون الحريري قد ظلم نفسه ولبنان واللبنانيين وظلم معه السعودية ورياض سلامة معا لأنه لو كشف اعلاميا حقيقة موقفه مما طرحه عليه باسيل فربما كان يمكن لمن خلفه في رئاسة الحكومة أن يعارض الذهاب الى اتخاذ حكومته قرار الامتناع عن دفع استحقاق اليوروبوند في آيار من العام 2020 . فترك بذلك رياض سلامة يواجه وحيدا هذا القرار القاتل للاستقرار النقدي ولسقوط الليرة في الوقت الذي كان يعلن فيه الاخير بأنه لا خوف على الليرة اعتقادا منه أن الحكومة التي خلفت حكومة الحريري ستسير على خطاه في رفضها الامتناع عن دفع استحقاق سندات اليوروبوند . لكن حصل عكس ما كان يأمله سلامة فكان قرار مقتل الليرة وضرب الاستقرار النقدي بقرار امتناع حكومة دياب عن دفع استحقاق سندات اليورو بوند فواجه سلامة منفردا حكومة يسيرها صهر العهد ووريثه السياسي بحقد وجهل وانانية موجها الاتهامات يمينا ويسارا له لتشويه اسمه وسمعته لاخراجه من السبق الرئاسي حتى لو كان ذلك على حساب اسقاط ليرة اللبنانيين ومدخراتهم . بناء عليه نوجه التحية إلى الحريري وموقفه الوطني السليم مدافعين عنه من موقع سرد الحقيقة مع دفاعنا في نفس الوقت عن كل من السعودية وسلامة فالاولى لم يكن لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بقرار أبعاد الحريري عن رئاسة الحكومة العام 2019 ، ووجهت اليها اتهامات ظالمة وباطلة بهذا الخصوص . وعن الثاني الذي كان محقا في موقفه يومذاك لو أن العهد ووريثه آنذاك تعاطوا معه من الموقع الوطني لا الحقد السياسي ، لكانت الليرة بقيت حتى يومنا هذا على ما كانت عليه قبل ا نتفاضة الحراك المدني.

Written by beirut-act